القرطبي

46

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وشنآنا بجزم النون ، كل ذلك إذا أبغضته ، أي لا يكسبنكم بغض قوم بصدهم إياكم أن تعتدوا ، والمراد بغضكم قوما ، فأضاف المصدر إلى المفعول . قال ابن زيد : لما صد المسلمون عن البيت عام الحديبية مر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة ، فقال المسلمون : نصدهم كما صدنا أصحابهم ، فنزلت هذه الآية ، أي لا تعتدوا على هؤلاء ، ولا تصدوهم " أن صدوكم " أصحابهم ، بفتح الهمزة مفعول من أجله ، أي لان صدوكم . وقرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة " إن صدوكم " وهو اختيار أبي عبيد . وروى عن الأعمش " إن يصدوكم " . قال ابن عطية : فإن للجزاء ، أي إن وقع مثل هذا الفعل في المستقبل . والقراءة الأولى أمكن في المعنى . وقال النحاس : وأما " إن صدوكم " بكسر " إن " فالعلماء الجلة بالنحو والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء : منها أن الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان ، وكان المشركون صدوا المسلمين عام الحديبية سنة ست ، فالصد كان قبل الآية ، وإذا قرئ بالكسر لم يجز أن يكون إلا بعده ، كما تقول : لا تعط فلانا شيئا إن قاتلك ، فهذا لا يكون إلا للمستقبل ، وإن فتحت كان للماضي ، فوجب على هذا ألا يجوز إلا " أن صدوكم " . وأيضا فلو لم يصح هذا الحديث لكان الفتح واجبا ، لان قوله : " لا تحلوا شعائر الله " إلى آخر الآية يدل على أن مكة كانت في أيديهم ، وأنهم لا ينهون عن هذا إلا وهم قادرون على الصد عن البيت الحرام ، فوجب من هذا فتح " أن " لأنه لما مضى . ( أن تعتدوا ) في موضع نصب ، لأنه مفعول به ، أي لا يجر منكم شنآن قوم الاعتداء . وأنكر أبو حاتم وأبو عبيد " شنآن " بإسكان النون ، لان المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة ، وخالفهما غيرهما وقال : ليس هذا مصدرا ولكنه اسم الفاعل على وزن كسلان وغضبان . الثالثة عشرة - قوله تعالى : ( وتعاونوا على البر والتقوى ) قال الأخفش : هو مقطوع من أول الكلام ، وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى ، أي ليعن بعضكم بعضا ، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى وأعملوا به ، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه ، وهذا موافق لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الدال على الخير كفاعله ) . وقد قيل :